الشوكاني

45

فتح القدير

سورة يوسف الآية ( 78 82 ) قوله ( قالوا إن يسرق ) أي بنيامين ( فقد سرق أخ له من قبل ) يعنون يوسف . وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى يوسف ما هي ؟ فقيل إنه كان ليوسف عمة هي أكبر من يعقوب . وكانت عندها منطقة إسحاق لكونها أسن أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سنا من ذكر أو أنثى . وكانت قد حضنت يوسف وأحبته حبا شديدا . فلما ترعرع قال لها يعقوب : سلمي يوسف إلي فأشفقت من فراقه واحتالت في بقائه لديها ، فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها ، ثم قالت : قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها . فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم . وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة - وقيل إن يوسف أخذ صنما كان لجده أبي أمه فكسره وألقاه على الطريق تغييرا للمنكر . وحكى عن الزجاج أنه كان صنما من ذهب . وحكى الواحدي عن الزجاج أنه قال : الله أعلم . أسرق أخ له أم لا ؟ وحكى القرطبي في تفسيره عن الزجاج أنه قال : كذبوا عليه فيما نسبوه إليه . قلت : وهذا أولى . فما هذه الكذبة بأول كذباتهم ، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم . قوله ( فأسرها يوسف في نفسه ) قال الزجاج وغيره : الضمير في أسرها يعود إلى الكلمة أو الجملة . كأنه قيل فأسر الجملة في نفسه ( ولم يبدها لهم ) ثم فسرها بقوله ( قال أنتم شر مكانا ) وقد رد أبو علي الفارسي هذا فقال : إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل ، وقيل الضمير عائد إلى الإجابة : أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر ، وقيل أسر في نفسه قولهم : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ، وهذا هو الأولى ، ويكون معنى ( ولم يبدها لهم ) أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرها في نفسه بأن يذكر لهم صحتها أو بطلانها ، وجملة ( قال أنتم شر مكانا ) مفسرة على القول الأول ، ومستأنفة على القولين الآخرين ، كأنه قيل : فماذا قال يوسف لما قالوا هذه المقالة ؟ أي أنتم شر مكانا : أي موضعا ومنزلا ممن نسبتموه إلى السرقة وهو برئ ، فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف إلى الجب والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم ، ثم قال ( والله أعلم بما تصفون ) من الباطل بنسبة السراق إلى يوسف ، وأنه لا حقيقة لذلك ، ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق له أخاهم بنيامين يكون معهم يرجعون به إلى أبيهم لما تقدم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردوه إليه ، ( فقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ) أي إن لبنيامين هذا أبا متصفا بهذه الصفة ، وهى كونه شيخا كبيرا لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه ولا يقدر على الوصول إليه ( فخذ أحدنا مكانه ) يبقى لديك ، فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا فلا يتضرر بفراق أحدنا كما لا يتضرر بفراق بنيامين ، ثم عللوا ذلك بقوله ( إنا نراك من المحسنين ) إلى الناس كافة .